محمد أبو زهرة

3711

زهرة التفاسير

مَوْجٍ كَالْجِبالِ أي إن الماء ارتفع وكثر حتى علا موجه واصطفق ، وشبه الموج بالجبال لارتفاعه وصعوبة اختراقه . وهنا تحركت عاطفة الأبوة الفطرية في نفس نوح ، والفطرة السليمة تتحرك فيها العواطف الإنسانية ، فنادى على ابنه خشية الغرق ، وقد عزل نفسه عن أبيه الداعي إلى الحق وهذا معنى فِي مَعْزِلٍ أي مكان معزول عن أبيه لكفره ، أو عن القوم فرارا بنفسه ولكن لا فرار من قضاء اللّه المحتوم ، فقال مغرورا مخدوعا غير مقدر أن العذاب نازل لا محالة . قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) . يعصمني من الماء أي يمنعني من الماء فلا يغرقنى ، قال نوح الذي يعلم من اللّه أنه الهلاك المدمر لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وهم الذين نجوا في السفينة مع أبيك وأهلك ومن تبعه . وكان الموج الشديد الهائل كالجبال الذي حال بين نوح عليه السلام وابنه ، وكان من المغرقين لأنه رضى أن يكون مع الكافرين فناله مما نالهم مع أنه ابن نوح ، فليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى . بعد أن غرقوا ولم يبق منهم ديّار جزاء ما اقترفوا وأشركوا ، رفع اللّه الماء الذي كان إهلاكا لهم . وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) . في قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ القول تكويني ، وكان الفعل بالنداء لغير المعلوم ، لمعرفة من ينادى بالتكوين جل جلاله ، ولأنه في المظهر غاض الماء من ذات نفسه ، وهو يأمر اللّه تعالى : ابْلَعِي ماءَكِ فالأرض ابتلعت الماء الذي ملأها